مصطفى صادق الرافعي
152
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فلما قرئ عليهم القرآن ، رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جمله ، ألحانا لغوية رائعة ؛ كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة ، قراءتها هي توقيعها « 1 » فلم يفتهم هذا المعنى ، وأنه أمر لا قبل لهم به ، وكان ذلك أبين في عجزهم ؛ حتى إن من عارضه منهم ، كمسيلمة ، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وطوي عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية ، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ؛ وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع . وأنت تتبين ذلك إذا أنشأت ترتّل قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على طريقة التلاوة في القرآن ، مما تراعي فيه أحكام القراءة وطرق الأداء ، فإنك لا بد ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن ، بل ترى كأنك بهذا التحسين قد نكّرت الكلام وغيّرته ، فأخرجته من صفة الفصاحة ، وجردته من زينة الأسلوب ، وأطفأت رواءه ؛ وأنضبت ماءه ، لأنك تزنه على أوزان لم يتسق عليها في كل جهاته ، فلا تعدو أن تظهر من عيبه ما لم يكن يعيبه إذا أنت أرسلته في نهجه وأخذته على جملته . وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقى في القرآن ، وأنه مما لا يتعلق به أحد ، ولا ينفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه ، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر ، والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق ؛ والتفشي والتكرير ، وغير ذلك مما أوضحنا في صفات الحروف من باب اللغة في تاريخ آداب العرب . ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفى طباع البلغاء بعد الإسلام ، وتولى تربية الذوق الموسيقى اللغوي فيهم ، حتى كان لهم من محاسن التركيب في أساليبهم - مما يرجع إلى تساوق النظم واستواء التأليف - ما لم يكن مثله للعرب من قبلهم ، وحتى خرجوا عن طرق العرب في السجع والترسّل على جفاء كان فيهما ، إلى سجع وترسل تتعرف في نظمها آثار الوزن والتلحين ، على ما يكون من تفاوتهم في صفة ذلك ومقداره ، ومبلغهم من العلم به ، وتقدمهم في صنعته . ولولا القرآن وهذا الأثر من نظمه العجيب ، لذهب العرب بكل فضيلة في اللغة ،
--> ( 1 ) كل الذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسية ، لا يرون في الفن العربي بجملته شيئا يعدل هذا التناسب الذي هو طبيعي في كلمات القرآن وأصوات حروفها ، وما منهم من يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا ، ويعلو القرآن على الموسيقى أنه معه هذه الخاصة العجيبة ليس من الموسيقى .